محمود سالم محمد
21
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
ومنهم من عاد إلى فكرة السفياني المنتظر التي راجت أيام بني أمية في موازاة فكرة المهدي المنتظر ، فظهر في بلاد الشام رجل ادّعى أنه السفياني المنتظر ، ناصره الفقهاء والعربان ، ونادى ببطلان حكم الترك « 1 » . أما الرمز العربي في السلطنة فهو الخلافة العباسية ، التي أحياها المماليك عندما استقدموا أحد أبناء الخلفاء العباسيين ، وبايعوه بالخلافة ، ليعطوا لدولتهم الشرعية التي تفتقدها ، وليأخذ كل سلطان شرعية حكمه منه ، لكن الخليفة كان رمزا دينيا ، ولم يكن له أي أثر محسوس في مجرى الأحداث إلا في أحيان قليلة . فالمماليك لم يحتفظوا بالخلافة العباسية إلا لإتمام إجراآت التقليد وتنصيب السلاطين ، ولم يسمحوا للخليفة أن يقوم بأي عمل من أعمال السلطنة . وكان الشعراء الذين يعتزّون بعروبتهم ، يغتنمون كل فرصة لإظهار شعورهم هذا ، ولو كان ذلك في الغزل بالعربيات في عصر شهد تمجيد كل ما هو تركي حتى في الجمال النسائي . وظهر هذا الأمر في المدائح النبوية ، فأكثر الشعراء العرب ذكر عروبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأشادوا في مدحه بالعرب ، وعرّضوا بغيرهم ، لأن الإشادة بالعرب في هذا العصر قد تثير نقمة الأتراك ، أو توغر صدورهم ، فهي تعبر عن موقف سياسي مناوئ للحكام الغرباء ، ولكن إدراجها ضمن المدائح النبوية لا تتيح لمعترض اعتراضا ، وتظهر أنها إشادة بأهل الرسول الكريم وقومه ، فلا يجرؤ أحد على إنكار ذلك . ومدح الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يذكّر العرب أن صاحب الأمة ومنشئها منهم ، وأن الصحابة الذين حملوا رسالة الإسلام إلى العالم منهم ، وأنهم من أمة عزيزة عريقة ، عليهم أن يعيدوا أمجادها ، وليعي المماليك أنهم أتباع نبي عربي ، يحق لأهله الكرامة .
--> ( 1 ) ابن إياس : بدائع الزهور 2 / 7 .